السيد نعمة الله الجزائري
265
الأنوار النعمانية
وأما الحديث النبوي فالكلام فيه كالكلام في الكتاب وعلومه ويزيد الحديث عليه بمعرفة رواته من حيث الجرح والتعديل ؛ وأما الفقه فيتوقف معرفته على جميع ما ذكر من العلوم الفرعية والأصلية ، والمنطق آلة شريفة لتحقيق الأدلة مطلقا فهذه عشرة علوم يتوقف عليها العلوم الشرعية وجملة ما يتوقف عليها الفقه اثني عشرة وهي ترجع بحسب ما استقر عليه تدوين العلماء إلى ثمانية فإن علم الأشتقاق قد أدرج في أصول الفقه غالبا وفي بعض علوم العربية وعلم المعاني والبيان والبديع قد صار علما واحدا في أكثر الكتب الموضوعة لها ، والتصريف داخل في النحو في أكثر الكتب وقل من أفرده علما خصوصا المتقدمين . الفائدة الثالثة عشر في بيان العلم الشرعي وما ألحق به على ثلاث مراتب فرض عين ، وفرض كفاية ، وسنة ، فالأول ما لا يتأذى الواجب عينا إلا به وعليه حمل حديث طلب العلم فريضة على كل مسلم ، وأما فرض الكفاية فمما لا بد للناس منه في إقامة دينهم من العلوم الشرعية كحفظ القرآن والأحاديث وعلومهما والفقه والأصول والعربية وما يحتاج إليه في قوام أمر المعاش كالطب والحساب ؛ وتعلم الصنائع الضرورية كالخياطة والفلاحة حتى الحجامة ونحوها ، وقال بعض العلماء فرض الكفاية أفضل من فرض العين لأنّه يصان البعض به جميع المكلفين عن أئمتهم المترتب على تركهم له بخلاف فرض العين فإنه إنما يصان به عن الإثم القائم به فقط ، وأما السنة فكتعلم نقل العبادات والآداب الدينية ومكارم الأخلاق وشبه ذلك وهو كثير ومنه تعلم الهيئة للاطلاع على عظمة اللّه تعالى وما يترتب عليه من الهندسة وغيرها . وبقي علوم أخرى بعضها محرم مطلقا كالسحر والشعبذة وبعض الفلسفة ، كل ما يترتب عليه إثارة الشكوك وبعضها محرم على وجه دون آخر كأحكام النجوم والرمل فإنه يحرم تعلمها مع اعتقاد تأثيرها وتحقيق وقوعها ويباح مع اعتقاد كون الأمر مستندا إلى اللّه تعالى وإنه أجرى بالعادة كونها سببا في بعض الآثار وعلى سبيل التفاؤل كما قاله بعض الأصحاب ؛ وقد تقدم أن الأولى هو القول بتحريم تعلم علم النجوم وتعليمه مطلقا ، وبعضها مكروه كأشعار المولدين المشتملة على الغزل وترجية الوقت بالبطالة وتضييع العمر بغير فائدة ، وبعضها مباح كمعرفة التواريخ والوقائع والأشعار الخالية عمّا ذكر مما لا يدخل في الواجب كأشعار العرب العارية التي تصلح للاحتجاج بها في الكتاب والسنة فإنها ملحقة باللغة ، وباقي العلوم من الطبيعي والرياضي والصناعي أكثره موصوفا بالإباحة بالنظر إلى ذاته وقد يمكن جعله منه ( مستحبا لتكميل النفس خ ) وبالتكميل للنفس وإعدادها لغيره من العلوم الشرعية بتقويتها في القوة النظرية ، قد يكون حراما إذا استلزم التقصير في العلم الواجب عينا أو كفاية كما يتفق كثيرا في زماننا هذا لبعض المحرومين الغافلين عن حقائق الدين .